محمد غازي عرابي
636
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 32 إلى 37 ] ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ( 32 ) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 33 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( 34 ) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 35 ) وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 36 ) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ( 37 ) [ الحج : 32 ، 37 ] البدن الإبل والإشارة إلى النفس الحيوانية التي قال فيها ابن عربي : إنها مولدة من الطبيعة فالطبيعة أمها والروح أبوها . . . وما دام حالها كذلك فهذه النفس رهينة محبس العالم تظهر به وتفنى فيه ، وهذه النفس هي المطية للمعقولات التي لا بد لها من حوامل وإلا ما ظهرت ، وسمى هيغل المعقول الحد ، وسماه الصفة ، ولهذا كان ارتباطه بالعالم ، لأن الحد ما يحد ، فهو محدود من جهة ، وحد من جهة ، فلا وصف أعجب من وصف هذه الصفة التي لا تظهر إلا بالعالم . أما النصيحة بها فضرورة لخلاص الإنسان من أسر العالم ، وشعائر الحج تهدف كلها إلى تنبيه الإنسان على حقيقة النفس التي هي مطية ، ولكنها مطية إلهية تحمل الإنسان إلى كعبة الحقيقة ، وفي الكعبة الحجر الأسود الذي هو إشارة إلى اللطيفة الإنسانية المودعة فيه والتي هي حقيقة الإنسان وجوهره والذات الشريفة الناطقة ، فمن تحقق حقيقة الحج قدم نفسه إلى اللّه مثلما تقدم البدن أضحية في الحج ، وما قصة تضحية إبراهيم بولده إلا رمز لكشف هذه الحقيقة ، ولهذا افتدى اللّه إسماعيل بذبح ، وهذا الذبح هو النفس الحيوانية ، قال سقراط : عندما فتشت عن علة الحياة لقيت الموت ، وعندما وجدت الموت عرفت حينئذ كيف ينبغي أن أعيش ، ويقول هيغل : العقل يجب أن يكشف عن أنه روح ، وأنه ليس أنا فقط بل هو نحن أيضا ، والعبارة جامعة لعلم التوحيد ، إذ من ظل داخل نطاق الأنا فلقد ظل أسير نفسه الحيوانية ، إذ تتبدى هذه النفس في أنا جزئية ، وللأنا الجزئية كما قال هيغل أيضا شهواتها وأنانيتها ومطامحها ومخاوفها ، فهي حبيسة هذه المغاليق من الغايات الجزئية ، والحاج الحقيقي يكون من نسل إبراهيم ، كما كان محمد عليه السّلام من نسله ، وهو الذي يتحقق فحوى الحج بأن ينصل من نفسه الجزئية ليبلغ كعبة الذات الكلية أو الأنا الخالصة كما سميت